ابن تيميه
64
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
ولم يضمن لهم أنه لوجود قبره أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين يندفع البلاء ، وإنما يندفع البلاء بطاعة الرسل لا بقبورهم ، فمن أطاعهم كان سعيدا في الدنيا والآخرة ، ومن عصاهم استحقّ ما يستحقه أمثاله ، وإن كان عنده ما شاء اللّه من قبورهم . وكانت حفصة أم المؤمنين تتأوّل فيهم قوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ [ النحل : 112 ] الآية كما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث ابن وهب ، حدّثنا ابن شريح ، عن عبد الكريم بن الحارث ، سمعه يحدث عن مشرح بن هاعان ، عن سليم بن عتر قال : صحبت حفصة زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم وهي خارجة من مكة إلى المدينة ، فأخبرت أن عثمان قد قتل . فرجعت حفصة فقالت : ارجعوا بي عن المدينة ؛ فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال اللّه : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [ النحل : 112 ] الآية « 1 » . ولم ترد حفصة رضي اللّه عنها أن الآية خصّت المدينة بالذكر ، بل هذا مثل ضربه اللّه لمن كان كذلك . وكان أهل مكة لما كانوا كفّارا كذلك فأصابهم ما أصابهم ، فلما قتل عثمان علمت حفصة أنه سيصيب أهل المدينة من البلاء ما يناسب حالهم بعد ما كانوا فيه من الأمن والطمأنينة ، وإتيان رزقهم رغدا من كل مكان ، فذكرت ذلك على سبيل التمثيل بالمدينة ، لا على سبيل الحصر فيها . وأهل بغداد أصابهم ما أصابهم من السيف العام وعندهم قبور ألوف من أولياء اللّه ، زيادة على قبور الأربعة ، فلم تغن عنهم من اللّه شيئا . [ اعتقاد النفع بالقبور هو كاتخاذها أوثانا ] وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم وتدفع البلاء عنهم ؛ قد اتخذوها
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 5 / 173 ) و « تفسير القرآن العظيم » للحافظ ابن كثير ( 2 / 767 ) . وإسناده حسن إن شاء اللّه . ابن شريح ؛ هو : عبد الرحمن بن شريح بن عبيد اللّه المعافري ؛ ثقة فاضل . وعبد الكريم بن الحارث ؛ هو : ابن يزيد الحضرمي ؛ أبو الحارث المصري ؛ ثقة عابد . مشرح بن هاعان ؛ وثقه ابن معين والعجلي والذهبي وغيرهم . وقال الحافظ في « التقريب » : « مقبول » . والأرجح أنه « صدوق حسن الحديث » ، وانظر « تحرير تقريب التهذيب » ( 3 / 380 / 6679 ) . وسليم بن عتر المصري ذكره ابن حبان في « الثقات » ( 4 / 329 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 4 / 125 ) وابن أبي حاتم في « الجرح والتعديل » ( 4 / 211 - 212 ) . تنبيه : وقع في المطبوعة هنا : « سليم بن عفير » وفي مطبوعة ابن أبي حاتم من التفسير ( 7 / 2305 ) : « سليم بن عمر » وفي مطبوعة « تفسير القرآن العظيم » - الريان - ( 2 / 767 ) : « سليم بن نمير » ! . وكل هذا تصحيف صوابه ما أثبتناه هنا .